فهم الأمراض النفسية لماذا تتدهور صحتنا النفسية؟ pdf

               

كتاب فهم الأمراض النفسية   لماذا تتدهور صحتنا النفسية؟ pdf



¤ معلومات الكتاب : 

-عنوان الكتاب : فهم الأمراض النفسية  لماذا تتدهور صحتنا النفسية؟
-المؤلف : عيسى عبد الله
-دار النشر : دار عصير الكتب
-الطبعة : الأولى
-البلد : مصر
-السنة : 2021
-الحجم : 6.4 MB




تقديم

   في عالمنا الآن مجال الصحة النفسية مجال واسع للغاية، ومجال حساس، ومثير للمشاعر، ومشحون بالعواطف والانحيازات. ولذلك، دعنا نبدأ في البداية بتوضيح بعض الأمور. 

    هذا الكتاب هو كتاب عن الصحة النفسية، ولكنه ليس عن صحتي أنا النفسية. نعم، هذا الكتاب هو محاولة عامة لاستكشاف ما يخبرنا به العلم الآن عن الصحة النفسية، مُغطيًا ما نظن أنه يحدث داخل أمخاخنا (وفي بعض الأحيان أجسادنا) عندما تختل صحتنا النفسية، لماذا تنتشر مشكلات الصحة النفسية بشكل كبير، وكيف يتعامل الناس مع كل هذه المشكلات ويتمكنون مع ذلك من أن يعيشوا حياة طبيعية نسبيًا. 

   هذا الكتاب يحاول أن يكون منطقيا وعقلانيا قدر الإمكان في إلقائه الضوء على المشكلات النفسية، ومن هنا جاءت براعة العنوان الغامض. السبب وراء عدم تحدثي عن صحتي النفسية الشخصية هو أنني في الحقيقة لا أملك الكثير لأتحدث عنه بشأنها. حتى هذه اللحظة في حياتي كنت أحد هؤلاء الأشخاص المحظوظين الذين لم يضطروا إلى مواجهة أي مصاعب تخص صحتهم النفسية. بالطبع مررت بتقلبات الحياة الاعتيادية بين الرخاء والشدة ومررت بتجارب شعرت فيها بأبعاد المشاعر كلها ،الجيدة منها والسيئة، لكنني أعتقد أن هذه المشاعر كانت تقع ضمن الإطار الطبيعي للوجود الإنساني، لأنني لم أذهب قط إلى معالج نفسي، ولم آخذ قط أدوية نفسية، ولم أعان من مشكلات أعاقت حركتي في العالم بسبب أشياء أبعد من الظروف العادية، أو عدم خبرتي في الحياة، أو فقط جهلي الطبيعي

    قد يدهش بعض الناس عندما يسمعون ذلك، وهذا يرجع إلى أن تقريبا كل الكتب التي تتحدث عن الصحة النفسية الموجودة في الوقت الحالي تتمحور حول تجارب كتابها في التعامل مع المشكلات النفسية التي واجهوها هم في أثناء حياتهم. لكن في الواقع، أنا لا أستطيع أن أفعل ذلك، على الأقل إذا أردت ألا أحيد كثيرًا عن الكتابة العلمية غير الخيالية. إذا ، ما الذي يمنحني الحق في أن أدلي بدلوي في هذا الموضوع وأدعي أنني سوف أقدم شيئًا قيما؟ 

    حسنا، دعني أبدأ في الإجابة عن هذا السؤال بتعريف نفسي. كما أخبرتك سابقا، أنا «دين برنيت» مؤلف كتاب "المخ الأبله والمخ السعيد"، ولماذا يقودك أبواك للجنون، وكاتب العديد والعديد من المدونات والمقالات والأعمال الأخرى التي تدور حول خصائص المخ البشري وصفاته الغريبة والعجيبة. أنا أكتب عن المخ لأنني دكتور متخصص في علم الأعصاب، أطروحة الدكتوراه الخاصة بي متاحة في المكتبة البريطانية أو موقع جامعة كارديف إذا كنت تريد أن تتحقق منها وتقرأها بنفسك؛ عملت أيضًا مدرسًا أساسيًا ومحاضرًا في برنامج الماجستير للطب النفسي بجامعة كارديف لسنوات عديدة، كنت في هذه السنوات مسؤولا عن تدريس وتأهيل الطلاب والأطباء في جميع جوانب الطب النفسي؛ بداية من العلوم الأولية التأسيسية، إلى أحدث طرق التشخيص والعلاج، والقواعد والأنظمة التي تحكم استخدامهم، وغير ذلك الكثير. وظيفة كهذه، مضاف إليها سنوات كثيرة من دراسة المخ البشري وكيفية عمله، ستعطيك بالطبع _ فهما عميقًا وشاملاً وتقديرًا حقيقيا للصحة النفسية والعقلية وكل ما يتعلق بها من جوانب أو على الأقل، هذا ما أحب أن أدعيه.

     ومنذ ذلك الوقت وأنا أكتب كثيرًا عن الصحة النفسية، ويبدو أن الناس يعجبهم الأمر كثيرا عندما أفعل ذلك الكثير من الأشياء التي كتبتها تستخدم الآن كمحتوى للتدريب، ومراجع، ومواد تعليمية من قبل أشخاص كثر متنوعين بداية من المستويات الأولى في مادة علم النفس، إلى مكتبات مؤسسة الصحة العامة البريطانية (NHS Libraries) والمنظمات المختلفة مثل منظمة «سماریتانز» (Smaritans)، والهيئات الاستشارية وغيرهم الكثير. لكن لماذا أنا على وجه التحديد؟ أنا في الحقيقة لا أملك رخصة تشخيص مشكلات الصحة النفسية وعلاجها، وهناك بلا شك الآلاف من الأشخاص الآخرين الذين يملكون قدرًا من المعرفة والعلم عن الصحة النفسية ينافس علمي ويتجاوزه بكثير. لماذا إذا أُميز أنا من بين كل هؤلاء؟ 

    حسنا، أول شيء هو أنني عالم أعصاب لأقرب لك الأمر، يمكنك أن تتخيل أنني مصمم سيارات خبير؛ يمكنني أن أخبرك كل شيء عن كيفية عمل السيارات، لكن لا يمكنني بالضرورة أن أصلح لك سياراتك إن أصابها عطل ما، وبالطبع لا يمكنني أن أعطيك رخصة قيادة. كل واحدة من تلك الأمور تحتاج إلى مجموعة مختلفة من المهارات. أنا أركز بشكل كبير على كيفية عمل المخ، وهذا هو الأمر الثابت في كل ما يتعلق بالصحة النفسية. أنت لا يمكنك أن تكون لديك صحة نفسية دون أن يكون المخ مشاركًا في ذلك، والمخ هو شيء يمكننا (في حدود المتاح) أن نتفحصه، ونقيسه، ونحلله عن طريق العلم من خلال التزامي بالحديث عما يحدث داخل المخ، أمل أن أتمكن من جعل الأمور المتعلقة بالصحة النفسية أكثر تأصيلا وارتباطا وأكثر سهولة في الفهم. وأيضا، قيل لي إن طريقة تحدثي عن الصحة النفسية لها رنين خاص لأنها أكثر وضوحًا وأشد تعاطفا من الكثير ممن يتحدثون في هذا الشأن. قد تكون هذه ليست إلا مجاملة أحظى بها، لكنني سأقول لك إنني أحاول تجنب الاستنتاجات المتعنتة غير المرنة والنبرة الاستهجانية التوبيخية، وأحاول أن أتجنب الوصمات تحت أي ثمن، ودائما ما أحاول أن أشير إلى جهلي وضيق حدود معرفتي، أفعل ذلك كثيرًا لدرجة أن المحررين الذين يعملون معي يطلبون مني التوقف عن فعل ذلك. 

    جزء من نزعتي للقيام بهذا يأتي بسبب حقيقة أنني أقدم عروض الكوميديا الارتجالية (Stand-up Comedy) كهواية لما يقارب العشرين سنة الآن. قضاء ما يقارب من عقدين كاملين واقفا أمام أشخاص سكارى لا تعرفهم وليس لديهم أي سبب للإعجاب بك، ومحاولتك أن تكسبهم في صفك في خمس دقائق باستخدام الكلمات فقط، سوف تؤثر لا محالة على مهارات التواصل الخاصة بك. يجبرك هذا على الأقل أن تحاول أن تكون محبوبا ومفهوما، وممتعًا وجذابا، وقريبا من الناس بسرعة كبيرة، لأنك إن لم تفعل ذلك، سوف تؤكل حيا. لا أقصد ذلك حرفيا بالطبع على الرغم من أنك قد تسمع بعض هذه القصص في بعض الحفلات .

    أعتقد أيضًا أن أحد العوامل الأكثر تأثيرًا في هذا يرجع إلى نشأتي، والتي تختلف كثيرا عن نشأة معظم الأكاديميين رفيعي المستوى. أنا نشأت في حانة ضيقة في أحد الأودية الصغيرة في أقصى جنوب حارات مدينة ويلز والتي كانت سابقا مركزا للتعدين. أنا لا أحاول أن أظهر القرية التي نشأت فيها بشكل درامي تسمع معه موسيقى عاطفية وأنت تقرؤه لتتأثر به؛ لقد نشأت حرفيا في حارة صغيرة. لم يكن هناك طريق يوصلك لأي مكان بعد تلك القرية كانت ببساطة منطقة مسكونة في نهاية طريق مسدود ضخم. لم تكن حياتي هناك صعبة أو مأسوية بأي شكل من الأشكال. لكن الصحة النفسية تتأثر بشدة بالبيئة التي تعيش فيها، ولذلك إذا ترعرعت في منشأة للسكارى في قرية معزولة وفقيرة تقطنها الطبقة العاملة، فسوف تصبح، إذا كان بإمكاننا القول، معتادًا ومؤتلفًا بشدة على الكثير من مشكلات الصحة النفسية. 

   وهؤلاء الأشخاص كانوا أصدقائي، ومجتمعي، وعائلتي الكبيرة. سوف يكون من الصعب لذلك ألا يؤثر عليك في كل الأمور التي تتعلق بالصحة النفسية. من جوانب عديدة، تعلمي عن الصحة النفسية في وقت لاحق في حياتي يشبه تماما شخصا نشأ في غابة وبعد ذلك بدأ في دراسة «علم الحيوان» (Zoology)، وأخذ الكتاب المخصص للمادة المليء بالحيوانات والنباتات المألوفة التي كان يراها في حياته اليومية وبدأ يقول: «أوه، هذا هو ما يُطلق عليها إذا». لقد رأيت الكثير من تلك النباتات والحيوانات في حياتي، لم أكن فقط لدي تلك المفردات لوصفها. 

   أقسم لك إنني عادة لا أبدأ كتبي بالاستفاضة في رسم تحليلي متكامل لشخصي ولمؤهلاتي، لكن من المهم أن أفعل ذلك هنا تحديدا، لأن عالمنا المعاصر لا يخلو بكل أسف من أولئك الأشخاص الذين يحبون أن يلقوا المحاضرات ويخطبوا في الناس عن كل ما يتعلق بالصحة النفسية على الرغم من عدم امتلاكهم أي مؤهلات أو حتى خبرة تمكنهم من التحدث في هذا الشأن. إذا حاولت من قبل في أي وقت أن تتحدث عن مشكلاتك الشخصية التي تتعلق بصحتك النفسية، أكاد أن أجزم بأنك تعرضت لما يلي؛ أخبرك شخص ما بكل بساطة أن تبتسم وتبتهج، أو أن تذهب للركض قليلا، أو فقط تدع عنك تلك المشكلات، أو أن تتفاءل وتكون إيجابيا، أو أي شيء من هذا القبيل. أو سيخبرك أشخاص آخرون بأنك لست بحاجة إلى أدوية لأن تلك الأدوية ما هي إلا احتيال ونصب على العامة، أو «إن الأمر كله داخل رأسك»، وكأن هذه رؤية ثاقبة لا يعرفها سوى ذلك الشخص، وليست ذكرًا لشيء واضح وجلي لا يضيف لنا أي جديد. هذه الجملة تشبه تماما إخبارك لشخص مصاب بالتهاب المفاصل أن مشكلته كلها داخل مفاصله. 

    حتى لو كانت نصيحتهم غير المرغوب فيها تلك حسنة النية بنسبة مائة في المئة في كثير من الأحيان وهذا شيء لا أزال أتشكك فيه ولا أثق به تماما - فإن هؤلاء الأشخاص دائما ما يجعلون الأمور أسوأ. لذا، أود أن أجعل هذا الأمر واضحًا تماما: أنه، وعلى الرغم من كل أخطائي البشرية، فأنا بالتأكيد لست واحدًا من أولئك الأشخاص. لأننا نتعامل هنا مع موضوع حساس بشدة وشخصي للغاية بالنسبة إلى ملايين البشر. نحن لا نتحدث هنا عن طرق تصنيع إطارات السيارات، أو عن السياسات الزراعية في أوروبا في القرن السابع عشر . 

    لا شك أنه من المستحيل تماما أن نكون موضوعيين وعقلانيين بنسبة مائة بالمائة عندما يتعلق الأمر بالصحة النفسية. لذلك، من الراجح أنني سوف أقول بعض الأشياء في الفصول القادمة من الكتاب لن يوافق عليها الناس وسيرفضونها. أعتذر لكم مقدما إذا حدث ذلك. لكن على الأقل أنت الآن على دراية بمنظوري ومنهجيتي التي أتناول بها هذا الأمر بكل ما يحويه من تفاصيل. إذا كان هذا حديثا عن الأسباب وراء شعوري بإمكانية كتابتي لهذا الكتاب. لكن، الآن، لماذا أردت أن أكتب هذا الكتاب؟ ما الذي أتمنى أن أحققه هنا؟

    حسنًا، أعتقد أنني يُمكنني أن أفترض بنسبة كبيرة أنك، عزيزي القارئ على مستوى جيد نسبيا من الدراية والاطلاع بقضية الصحة النفسية والأمور المتعلقة بها. أستند في استنتاجي هذا إلى حقيقة أنك في تلك اللحظة تقرأ كتابا يتمحور حول هذا الموضوع بمحض إرادتك تطوعا منك. لكن أيضًا ضع في حسبانك مدى أهمية التوعية بالصحة النفسية في عالمنا المعاصر لدينا اليوم العالمي للصحة النفسية، والعديد من الدول تخصص أسبوعًا أو شهرًا خاصًا بها كل سنة للتوعية بالصحة النفسية. بالإضافة إلى هذا، هناك ما لا يُحصى من الكتب والمواقع الإلكترونية والمدونات، والأفلام الوثائقية، وغير ذلك الكثير مما يدور حول هذا الموضوع. وهذا لا يشمل أيضًا المؤسسات الخيرية والمنظمات التي أُنشئت فقط لغرض مساعدة أبناء مجتمعاتهم في التعامل مع الأمور المتعلقة بالصحة النفسية وزيادة التوعية بهذه الأمور. وظهر أيضًا مشاهير كبار يتحدثون بصراحة عن معاناتهم وصراعاتهم مع الأمراض النفسية. ولذلك، نعم، زيادة التوعية بالصحة النفسية هو أمر مهم للغاية في مجتمعنا الذي نعيش فيه اليوم. 

    لأكون واضحًا، أنا دون أدنى شك أؤيد هذه الجهود قلبا وقالبا. جزء كبير من مسيرتي المهنية يدور حول تحقيق هذه الأهداف تماما. لكن ومع ذلك، خذ  معي خطوة إلى الوراء واسأل نفسك ما مدى فعالية هذه الجهود في زيادة الوعي بالصحة النفسية حقا؟ إحدى الإجابات عن هذا السؤال هي فعالة جدا. خلال العقد الماضي، لاحظت تحولات جذرية في النقاش حول الصحة النفسية. على سبيل المثال، من الشائع الآن كثيرا أن ترى نقاشا حادا وغاضباً بين شخصين حول ما إذا كانت مضادات الاكتئاب هي إحدى الطرق الفعالة في علاج الاكتئاب، بينما منذ وقت ليس ببعيد، كان من المرجح أن ترى ذلك النقاش حول أن الاكتئاب ليس شيئًا حقيقيا على الإطلاق. من الواضح إذا أن حملات التوعية تلك كانت تفعل شيئًا في الاتجاه الصحيح، حتى لو كان ما يزال أمامنا طريق طويل لنقطعه. 

    ولكن إليك الأمر الأساسي الذي يشغلني زيادة الوعي شيء عظيم، لكن وعيي بالشيء لا يتحول تلقائيا إلى فهم له. في معظم الأحيان، تنقل حملات وجهود التوعية رسائل بسيطة، بشكل مدهش، لا تزيد في فحواها، على سبيل المثال، عن: «الاكتئاب أمر حقيقي - أخبر من حولك بذلك». لتوضيح الأمر، هذه الجملة صحيحة تماما، لكن لا يزال هناك الكثير من الأشخاص الذين يعتقدون خلاف ذلك. لسوء الحظ، المخ البشري في أغلب الأوقات يكون عضوا عنيدا، مما يعني أنك إذا كنت تريد تغيير معتقدات شخص ما، فإن الأمر يتطلب أكثر من مجرد إخبارك إياه بأنه مخطئ. بالتأكيد يمكنك القول إن هناك الملايين من الأشخاص الذين يقولون إن مشكلات الصحة النفسية هي مشكلات حقيقية بالفعل، وإن الأمر لا يتعلق بقول شخص واحد فقط، وبالتأكيد هذا يجعل الأمر أكثر إقناعا، أليس كذلك؟ إلى حد كبير. لكن دعني أخبرك بعد ذلك أن هناك أكثر من مليار مسيحي على ظهر الكوكب، والكثير منهم يتحدثون علانية بصوت واضح عن معتقداتهم. ومع ذلك، لا يزال الملحدون موجودين في العالم. 

    جزء من هذا يرجع إلى حقيقة أن المخ البشري يستجيب بشكل أقوى للتجارب الملموسة الغريزية أكثر من استجابته للمعلومات النظرية المجردة. فأنت يمكنك قضاء أسابيع في تعلم مواضيع مملة تدور حول السياسات الزراعية الأوروبية في القرن السابع عشر، على سبيل المثال، ولا تلبث بعد ذلك أن تنسى كل ما تعلمته على الفور بعد انتهاء الامتحان. لكنك لن تنسى أبدا قبلك أولا، أو حادث السيارة المروع الذي شاهدته بطريقة مماثلة يمكنك أن تسمع كثيرا عن أن الصحة النفسية هي بالفعل ترغب بالفعل ولا تقبل تلك الحقيقة بصورة كاملة، ولكن إذا واجهت أنت مشكلة جسيمة مع صحتك النفسية، ستعرف ثم الأمر الحقيقي بلا شك. 

    إذا كان الوعي بالصحة النفسية والعقلية هو كل ما في الأمر، فيجب قياسا من الناحية التقنية، أن يكون موضوع الصحة النفسية والعقلية مقبولا ومرموقا مثل كرة القدم، وربما نسمع مع ذلك عن تبادل أفضل الأطباء والمعالجين النفسيين بين أفضل المستشفيات حول العالم بأسعار مذهلة. 

   لا يخفى علينا أن هذا ليس هو الحال، ولذلك هناك حلقة مفقودة عندما يتعلق الأمر بقضية الصحة النفسية والعقلية. هناك الكثير والكثير من العوامل المتداخلة والمتفاعلة في هذا الموضوع، لكنني أود أن أؤكد أن كل هذه العوامل تشير إلى ما قلته للتو يميل الناس إلى أن يكونوا أكثر خوفا وشكا من الأشياء التي لا يفهمونها المخ البشري ليس من محبي الغموض وعدم اليقين؛ يجد المخ بطبيعته عدم اليقين أمرًا مثيرا للقلق. وعلى الرغم من أن الوعي بالصحة النفسية والعقلية أمر مفيد وضروري ولا يمكن لأحد أن ينكر ذلك، لا يعني هذا تلقائيا أن هذا الوعي يساوي بالضرورة فهم ما يتعلق بالصحة النفسية والعقلية. 

    لأن الصحة النفسية والعقلية غير ملموسة إلى حد كبير وأصعب بكثير في الإحاطة بها مقارنة بالصحة الجسدية، فأنت بحاجة إلى أكثر من مجرد الإصرار على أن مشكلات الصحة النفسية والعقلية أمر حقيقي لتقنع الأشخاص الذين لم يمروا بأي من تلك المشكلات بأنفسهم أن يتعاملوا مع الأمر بجدية كافية. إن توعية الناس بشيء ما ليس سوى جزء واحد من المعركة. على سبيل المثال، الكثير من الناس على دراية بأن الطعام المقلي ضار بالصحة، لكنهم، على الرغم من ذلك، لا يتوقفون عن أكل هذا الطعام. إن الوعي بشيء ما لا يعني تلقائيا أنك ستفعل أي شيء حياله. 

    لكن ربما إذا كان لدى الناس معلومات أكثر قليلا، ومعرفة أكثر قليلا، وفهم أكثر قليلا حول كيف ولماذا تحدث مشكلات الصحة النفسية والعقلية على وجه التحديد، ستزداد حينئذ فرصتنا في اعتراف الناس بحقيقة تلك المشكلات وقبولها. هنا يأتي دور هذا الكتاب. هذا الكتاب هو محاولتي لزيادة _ «فهم» الناس لما تعنيه الصحة النفسية والعقلية، وليس فقط زيادة الوعي بها. أظن أن هذه محاولة تستحق مني التجربة، على أقل تقدير. 

    محاولة مني لترسيخ قضية الصحة النفسية والعقلية في شيء ملموس أكثر، في هذا الكتاب سنغطي ماذا يحدث أو ما نعتقد أنه يحدث، وفقًا للأدلة التي لدينا في مخ شخص ما، عندما تخذله صحته النفسية أو العقلية. ستمعن النظر في مدى سهولة انتشار هذه الظواهر وشيوعها، لنرى لماذا تكون الصحة النفسية والعقلية محل شكوى لكثير من الناس. وحيثما أمكن سنرى كيف يمكن للناس أن يعانوا إحدى مشكلات الصحة النفسية أو العقلية ومع ذلك يتمكنون من أن يحيوا حياة عادية، لأنه إذا كان واحد من كل أربعة أشخاص منا يتعامل مع إحدى تلك المشكلات، فمن الواضح أن أغلب هؤلاء الأشخاص يقومون بعمل رائع في اندماجهم مع باقي أفراد المجتمع. إنهم يبدون كما لو كانوا أشخاصا عاديين لا يعانون أي مشكلة.

محتويات الكتاب

المقدمة

الوضع الراهن (حلبة المصارعة)

  1. الصحة النفسية والعقلية فيم كل هذه الضجة؟
  2. متى تتشابه الصحة النفسية مع الصحة الجسدية؟
  3. متى لا تتشابه الصحة النفسية مع الصحة الجسدية؟
  4. إيجابيات وسلبيات المنهج الطبي للصحة النفسية والعقلية 
  5. منظور علم النفس الصحة النفسية والعقلية
  6. الفهم الحالي المجمل للصحة النفسية والعقلية

كيف يعمل المخ

  1. أبسط العناصر المكونة لنشاط المخ
  2. المخ الأجوف: الدور الجوهري للوصلات العصبية
  3. النوى، والشبكات، والدوائر: القطع الأكبر من المخ
  4. برامج المخ مقابل جهاز المخ

الاكتئاب

  1. ما الاكتئاب، وما ليس الاكتئاب؟
  2. اضطرابات المزاج 
  3. التنوع المدهش لحالات الاكتئاب
  4. النظرية الكلاسيكية، خلل التوازن الكيميائي
  5. المرونة العصية: سبب جديد للاكتئاب؟
  6. هل تعمل الادوية حقا؟ مضادات الاكتئاب وآلية عملها
  7. التشديد على الدور المهم للإجهاد في الاكتئاب
  8. لا يزال هناك الكثير لتتتعرف عليه

القلق

  1. إيجابيات القلق وسلبياته 
  2. اللوزة المخية شديدة القوَّة 
  3. قشرة الفص الجبهي الذكية والمنطقية 
  4. القشرة الجبهية في مواجهة اللوزة المخية في الصراع حول القلق 
  5. اضطراب القلق المعمم، والجانب العيادي من القلق 
  6. نوبات الهلع
  7. ثبات اضطراب كرب ما بعد الصدمة 
  8. القلق الاجتماعي، والرُّهاب، وكل ما تبقى 
  9. المواد الكيميائية العصبية المتعلقة بالقلق
  10. القلق الناجم عن فقدان السيطرة 
  11. توقف. جاء الجابا! الدور الحيوي للمواد الكيميائية المثبطة
  12. الستيرويدات ودورها في القلق 
  13. التنوع المحير للمخ القلق
  14. التداخل بين الاكتئاب والقلق
  15. الطرق المتنوعة للتعامل مع القلق
  16. النظرة الإجمالية للقلق

الإدمان

  1. ما هو الإدمان؟
  2. في أي مكان في المخ يحدث الإدمان؟
  3. آثار الإدمان: إستاد المخ
  4. اعتياد التحمل
  5. كيف يحكم إدمانك تفكيرك؟
  6. الضغط الحقيقي للإقلاع
  7. إدمان الأفعال، لا المخدرات فقط
  8. علاج المدمنين
  9. اعتمادية أم إدمان؟ إدمان أم اعتمادية؟
  10. إدمان الوصمات المؤذية 
  11. من الذي يدمن؟ ولماذا؟ 
  12. الإدمان: الصحة النفسية في صورة مصغرة 

الخاتمة

قائمة المصطلحات

قائمة المصطلحات المترجمة

المراجع   


كل الكتب التي سبق نشرها على المدونة تجدونها هنا: 
لتحميل ومعاينة الكتاب انقر هنا: 

لايوجد رد "فهم الأمراض النفسية لماذا تتدهور صحتنا النفسية؟ pdf"

إرسال تعليق

Back to top